فصل: تفسير الآية رقم (21):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآية رقم (20):

{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)}
{فِى الأذلين} في جملة من هو أذل خلق الله لا ترى أحداً أذل منهم.

.تفسير الآية رقم (21):

{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)}
{كَتَبَ الله} في اللوح {لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى} بالحجة والسيف. أو بأحدهما.

.تفسير الآية رقم (22):

{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}
{لاَّ تَجِدُ قَوْماً} من باب التخييل. خيل أن من الممتنع المحال: أن تجد قوماً مؤمنين يوالون المشركين، والغرض به أنه لا ينبغي أن يكون ذلك، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته، والتوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم، وزاد ذلك تأكيداً وتشديداً بقوله: {وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءَهُمْ} وبقوله: {أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان} وبمقابلة قوله: {أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشيطان} [المجادلة: 99] بقوله: (أولئك حزب الله) فلا تجد شيئاً أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو الإخلاص بعينه {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان} أثبته فيها بما وفقهم فيه وشرح له صدورهم {وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} بلطف من عنده حييت به قلوبهم. ويجوز أن يكون الضمير للإيمان، أي: بروح من الإيمان، على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به.
وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان.
وعن عبد العزيز بن أبي رواد: أنه لقيه المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول: «اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة، فإني وجدت فيما أوحيت إليّ: {لا تجد قوما...} الآية». وروى: أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أنّ أبا قحافة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصكه صكة سقط منها، فقال له رسول الله: «أو فعلته»؟ قال: نعم. قال: «لا تعد» قال: والله لو كان السيف قريباً مني لقتلته.
وقيل في أبي عبيدة بن الجراح: قتل أباه عبد الله الجراح يوم أحد.
وفي أبي بكر: دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وقال لرسول الله: دعني أكرّ في الرعلة الأولى: قال: «متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري». وفي مصعب بن عمير: قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد. وفي عمر: قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر. وفي علي وحمزة وعبيد بن الحرث: قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة».

.سورة الحشر:

.تفسير الآيات (1- 2):

{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)}
صالح بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة فحالفوا عليه قريشاً عند الكعبة فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان أخاه من الرضاعة، ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: أخرجوا من المدينة، فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك، فتنادوا بالحرب. وقيل: استمهلوا رسول الله عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه إليهم: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن خرجتم لنخرجنّ معكم، فدربوا على الأزقة وحصنوها فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصر المنافقين: طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء؛ على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم فجلوا إلى الشام إلى أريحا وأذرعات، إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة. اللام في {لأَوَّلِ الحشر} تتعلق بأخرج، وهي اللام في قوله تعالى: {يَقُولُ ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى} [الفجر: 24] وقولك: جئته لوقت كذا. والمعنى: أخرج الذين كفروا عند أوّل الحشر. ومعنى أوّل الحشر: أن هذا أوّل حشرهم إلى الشأم، وكانوامن سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أوّل من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام. أو هذا أوّل حشرهم؛ وآخر حشرهم: إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام. وقيل: آخر حشرهم حشر يوم القيامة؛ لأنّ المحشر يكون بالشام.
وعن عكرمة: من شك أنّ المحشر ههنا- يعني الشام- فليقرأ هذه الآية. وقيل: معناه أخرجهم من ديارهم لأوّل ما حشر لقتالهم: لأنه أوّل قتال قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} لشدة بأسهم ومنعتهم، ووثاقة حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله {فأتاهم} أمر الله {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم: وهو قتل رئيسهم كعب ابن الأشرف غرّة على يد أخيه، وذلك مما أضعف قوتهم وفل من شوكتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب، وألهمهم أن يوافقوا المؤمنين في تخريب بيوتهم ويعينوا على أنفسهم، وثبط المنافقين الذين كانوا يتولونهم عن مظاهرتهم. وهذا كله لم يكن في حسبانهم. ومنه أتاهم الهلاك.
فإن قلت: أي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟ قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم؛ وفي تصيير ضميرهم إسماً لأن وإسناد الجملة إليه: دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعه لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم؛ وليس ذلك في قولك: وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم.
وقرئ: {فآتاهم الله} أي: فآتاهم الهلاك. والرعب: الخوف الذي يرعب الصدر، أي يملؤه؛ وقذفه: إثباته وركزه. ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه. وقرئ: {يخرّبون ويخربون}، مثقلاً ومخففاً. والتخريب والإخراب: الإفساد بالنقض والهدم. والخربة: الفساد، كانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها: لما أراد الله من استئصال شأفتهم وأن لا يبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار، والذي دعاهم إلى التخريب: حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدّوا بها أفواه الأزقة. وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جد الخشب والساج المليح. وأما المؤمنون فداعيهم إزالة متحصنهم ومتمنعهم. وأن يتسع لهم مجال الحرب.
فإن قلت: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمينن؟ قلت: لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه {فاعتبروا} بما دبر الله ويسر من أمر إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال. وقيل: وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال، فكان كما قال.

.تفسير الآيات (3- 4):

{وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4)}
يعني: أنّ الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم وإراحة المسلمين من جوارهم وتوريثهم أموالهم، فلولا أنه كتب عليهم الجلاء واقتضته حكمته ودعاه إلى اختياره أنه أشق عليهم من الموت {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا} بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة {وَلَهُمْ} سواء أجلوا أو قتلوا {عَذَابَ النار} يعني: إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.

.تفسير الآية رقم (5):

{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)}
{مّن لّينَةٍ} بيان لما قطعتم. ومحل (ما) نصب بقطعتم، كأنه قال: أي شيء قطعتم، وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله: {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا} لأنه في معنى اللينة. واللينة: النخلة من الألوان، وهي ضروب النخل ما خلا العجوة. والبرنية، وهما أجود النخيل، وياؤها عن واو، قلبت لكسرة ما قبلها، كالديمة. وقيل: {اللينة} النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين. قال ذو الرمّة:
كَأَنَّ قُتُودِي فَوْقَهَا عُشُّ طَائِرٍ ** عَلَى لِينَةٍ سَوْقَاءَ تَهْفُو جُنُوبُهَا

وجمعها لين. وقرئ: {قوّما} على أصلها. وفيه وجهان: أنه جمع أصل كرهن ورهن. أو اكتفى فيه بالضمة عن الواو. وقرئ: {قائماً على أصوله} ذهاباً إلى لفظ ما {فَبِإِذْنِ الله} فقطعها بإذن الله وأمره {وَلِيُخْزِىَ الفاسقين} وليذل اليهود ويغيظهم إذن في قطعها، وذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر أن تقطع نخلهم وتحرق قالوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء. فنزلت، يعني: أنّ الله أذن لهم في قطعها ليزيدكم غيظاً ويضاعف لكم حسرة إذا رأيتموهم يتحكمون في أموالكم كيف أحبوا ويتصرفون فيها ما شاؤوا. واتفق العلماء أنّ حصون الكفرة وديارهم لا بأس بأن تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق. وكذلك أشجارهم لا بأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة.
وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعا للقتال.
فإن قلت: لم خصت اللينة بالقطع؟ قلت: إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد وأشق. وروى: أن رجلين كانا يقطعان: أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا: تركتها لرسول الله، وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار. وقد استدل به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك، واحتج به من يقول: كل مجتهد مصيب.

.تفسير الآيات (6- 7):

{وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)}
{أَفَاء الله على رَسُولِهِ} جعله له فيئاً خاصة. والإيجاف من الوجيف. وهو السير السريع. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الإفاضة من عرفات: «ليس البرّ بإيجاف الخيل ولا إيضاع الإبل على هينتكم» ومعنى {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} فما أوجفتم على تحصيله وتغنمه خيلاً ولا ركاباً، ولا تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم. والمعنى: أنّ ما خوّل الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوّض إليه يضعه حيث يشاء، يعني: أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهراً، وذلك أنهم طلبوا القسمة فنزلت. لم يدخل العاطف على هذه الجملة، لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها. بين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصنع بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوماً على الأقسام الخمسة {والدولة والدولة}- بالفتح والضم- وقد قرئ: بهما ما يدول للإنسان، أي يدور من الجد. يقال: دالت له الدولة. وأديل لفلان. ومعنى قوله تعالى: {كي لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ} كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها جداً بين الأغنياء يتكاثرون به. أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم. ومعنى الدولة الجاهلية: أن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة لأنهم أهل الرياسة والدولة والغلبة، وكانوا يقولون من عزّ بزّ. والمعنى: كيلا يكون أخذه غلبة وأثرة جاهلية. ومنه قول الحسن: اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولاً، يريد: من غلب منهم أخذه واستأثر به. وقيل: {الدولة} ما يتداول، كالغرفة: اسم ما يغترف، يعني: كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه، فلا يصيب الفقراء، والدولة- بالفتح-: بمعنى التداول، أي: كيلا يكون ذا تداول بينهم. أو كيلا يكون إمساكه تداولاً بينهم لا يخرجونه إلى الفقراء، وقرئ: {دولة} بالرفع على (كان) التامة كقوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280] يعني كيلا يقع دولة جاهلية ولينقطع أثرها أو كيلا يكون تداول له بينهم. أو كيلا يكون شيء متعاور بينهم غير مخرج إلى الفقراء {وَمَا ءاتاكم الرسول} من قسمة غنيمة أو فيء {فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم} عن أخذه منها {فانتهوا} عنه ولا تتبعه أنفسكم {واتقوا الله} أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه {إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب} لمن خالف رسوله، والأجود أن يكون عاماً في كل ما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه، وأمر الفيء داخل في عمومه.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه لقي رجلاً محرماً وعليه ثيابه فقال له: انزع عنك هذا فقال الرجل: اقرأ عليّ في هذا آية من كتاب الله. قال: نعم، فقرأها عليه.